فرقة يهودية بدأ ظهور مواقفها في القرنين السابع والثامن للميلاد أب بعد الإسلام. من أبرز شخصياتهم شخص أصفهاني يدعى عوبديا بن عيسى نادى كالسامريين والصدوقيين بأن يأخذ يهود بالتوراة، وأن يهملوا التلمود وكل ما أضافه حاخامات اليهود. بعض المؤرخين سماهم العنانية، وقد ذكر ابن حزم الأندلسي أنهم لا يتعدون شرائع التوراة، وما جاء في كتب الأنبياء عليهم السلام، ويتبرأون من قول الأحبار ويكذبونهم». وأما من اتبعهم، وهم العيسوية أصحاب عوبديا بن عيسى، فقد كانوا يقولون: «إن عيسى بعثه الله عز وجل إلى بني إسرائيل على ما جاء في الإنجيل، وأنه أحد أنبياء بني إسرائيل. ويقولون: إن محمداً صلى الله عليه وسلّم نبي أرسله الله تعالى بشرائع القرآن إلى بني إسماعيل عليهم السلام، وإلى سائر العرب». اشتد الصراع بين القرائين وسائر فرق اليهود خاصة الربانيين والفريسيين لدرجة أن بعض الفرق حرمت الزواج من القرائين، وأن من يولد من هذه الزيجات ليسوا أولاداً شرعيين ولا يعدونهم من شعب الله المختار وفق مزاعمهم. واستمر هذا الصراع طوال العصر العباسي وكان على أشده في عهد الفاطميين، واستمر القراؤون في نشاطهم حتى القرن السابع عشر للميلاد ثم تقلص انتشارهم في أوروبا وأميركا، وبدأ ينحسرون مع بروز الحركة الصهيونية لأنهم لم يوافقوا على مشروعها السياسي، وحسب رأيهم فإن تأسيس الدولة يجب أن يكون علي يدي المسيح المنتظر من قبلهم، وليس على يد منظمة.
من الفرق الدينية زعموا أن الأصول ثلاثة: النار والأرض والماء وإنما حدثت الموجودات من هذه الأصول دون الأصلين اللذين أثبتهما الثنوية. قالوا: والنار بطبعها خيرية نورانية والماء ضدها في الطبع فما رأيت من خير في هذا العالم فمن النار وما كان من شر فمن الماء والأرض متوسطة. وهؤلاء يتعصبون للنار من أنها علوية نورانية لطيفة ولا وجود إلا بها ولا بقاء إلا بإمدادها. والماء يخالفها في الطبع فيخالفها في الفعل. والأرض متوسطة بينهما فيتركب العالم من هذه الأصول.
تنسب إلى ماني الذي ظهر في بلاد فارس وكان مولده سنة 216 م ادعى النبوة أيام حكم سابور وسمي أتباعه بالمانوية، ورجع سابور بن أردشير عن المجوسية إلى مذهب ماني القائل بالنور والبراءة من الظلمة. قال ماني: مبدأ العالم كونين أحدهما نور والآخر ظلمة كل منهما منفصل عن الآخر. فالنور هو العظيم الأول، وله خمسة أعضاء: الحلم والعلم والعقل والغيب والفطنة، وخمسة أخرى روحانية وهي: الحب والإيمان والوفاء والمودة والحكمة. ولأرض النور عنده خمسة أعضاء هي: النسيم والريح والنور والماء والنار. اختلفت المانوية في المزاج وسببه، والخلاص وسببه، وقال بعضهم: إن النور والظلام امتزجا بالخبط والاتفاق، لا بالقصد والاختيار. وعندهم أن الحياة والروح في هذا العالم من النسيم، والهلاك والآفات من الدخان، فما في العالم من منفعة مخير وبركة فمن أجناس النور، وما فيه من مضرة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة. وقد فرض ماني على أصحابه العشر في الأموال كلها، والصلوات الأربع في اليوم والليلة، والدعاء إلى الحق، وترك الكذب، والقتل، والسرقة، والزنا، والبخل، والسحر. ادعى ماني أنه أوحي إليه وهو في سن الرابعة والعشرين بواسطة ملاك اسمه «التوم»، وأنه جاء بدين لا يختلف عما جاء به الرسل قبله وأن المسيح عليه السلام هو الذي بشربه. وينقسم الناس عنده إلى ثلاث فئات: الأصفياء الأبرار، والمستعين، وهم أقل قدرة من الأصفياء على نبذ الشهوات والماديات، وفئة المذنبين وهي فئة أفرادها مشبعون بالظلام ومصيرهم إلى النار. عاشت المانوية إلى العصر العباسي حيث قضى عليها المسلمون، وقد صنفت بين فرق الزندقة، وتسربت بعض مفاهيمها ومعتقداتها إلى بعض الفرق الضالة والمنحرفة.
من الفرق الإسلامية أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمزدار، وقد تلمذ لبشر بن المعتمر وأخذ العلم عنه وتزهد ويسمى راهب المعتزلة وإنما انفرد عن أصحابه بمسائل: (الأولى) قوله في القدر إن اللّه تعالى يقدر على أن يكذب ويظلم ولو كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما. (الثانية) قوله في التولد مثل قول أستاذه وزاد عليه بأن جوز وقوع فعل واحد من فاعلين على سبيل التولد. (الثالثة) قوله في القرآن إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظماً وبلاغة. وهو الذي بالغ في القول بخلق القرآن وكفر من قال بقدمه، فإنه قد أثبت قديمين، وكفر أيضاً من لابس السلطان وزعم أنه لا يرث ولا يورث وكفر من قال إن إعمال العباد مخلوقة للّه تعالى، ومن قال إنه يرى بالأبصار، وغلا في التكفير حتى قال: هم كافرون في قولهم: (لا إله إلا اللّه). وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعاً فكفرهم، فأقبل عليه إبراهيم وقال الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة وافقوك؟ فخزي ولم يجد جواباً. وقد تلمذ له الجعفران وأبو زفر ومحمد بن سويد. وصحب أبا جعفر محمد بن عبد اللّه الإسكافي وعيسى بن الهيثم وجعفر بن حرب الأشج. وحكى الكعبي عن الجعفرين أنهما قالا: إن اللّه تعالى خلق القرآن في اللوح المحفوظ، فلا يجوز أن ينتقل ويستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في حالة واحدة، وما نقرأه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ وذلك فعلنا وخلقنا. قال وهو الذي اختاره من الأقوال المختلفة في القرآن. وقال في تحسين العقل وتقبيحه: إن العقل يوجب معرفة اللّه تعالى بجميع أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع وعليه أن يعلم أنه إن قصر ولم يعرفه ولم يشكره عاقبه عقوبة دائمة فأثبت التخليد واجباً بالفعل.
منقول